العودة إلى قصص رعب
الباب الذي لا يُغلَق
رعب

الباب الذي لا يُغلَق

7 دقائق للقراءة
٧‏/٣‏/٢٠٢٦
1 مشاهدة
استمع للقصة
اضغط للاستماع

لم يكن الباب مفتوحاً حين مرّ وائل بجوار البيت أول مرة. كان موارَباً فحسب، بمقدار إصبعين، كأنه يتنفّس.

توقّف وائل، ومسح العرق عن جبينه بكمّ ثوبه المتّسخ بغبار الطريق. كان قد خرج من المدينة منذ ثلاثة أيام، يتتبّع أثر جدّه "سُهيل" الذي اختفى قبل عشرين سنة في هذه القرية المهجورة التي يسمّيها أهل المنطقة "أم السكوت". لا أحد يذكر لماذا هُجرت، لكنّ الجميع يتّفقون على شيء واحد: لا تقترب من البيت ذي الباب الأزرق.

والباب أمامه الآن أزرق. أزرق كعين ميّتة تحدّق في الأفق.

همّ بالمضيّ، لكنّ صوتاً رفيعاً كحفيف أوراق يابسة تسرّب من الفتحة الضيقة. لم يكن كلاماً، بل كان أشبه بتنهيدة طويلة تنتهي بما يشبه اسمه. أدار رأسه. الشارع الترابي خلفه فارغ إلا من ظلّه الذي بدا، للحظة عابرة، أطول مما ينبغي.

«أنت تتخيّل.» قالها لنفسه بصوت مسموع، كأنه يحتاج لسماع صوت بشري حتى لو كان صوته هو.

مشى عشر خطوات مبتعداً، ثم توقّف. فتح حقيبته وأخرج الدفتر الجلدي القديم الذي وجده بين أغراض جدّه. الصفحة الأخيرة المكتوبة فيها عبارة واحدة بخطّ مرتجف: "الباب يُفتَح لمن يخافه. ادخل قبل أن يدخل هو إليك."

عاد وائل إلى الباب الأزرق. هذه المرة، كانت الفتحة أوسع. بمقدار كفّ.

دفعه ببطء. صرير المفصّلات قطع سكون القرية كأنه صرخة مكتومة. الظلام في الداخل لم يكن ظلاماً عادياً؛ كان كثيفاً، له ملمس، كأنك تغمس يدك في ماء أسود. ورائحة البخور القديم المخلوط بتراب رطب ملأت أنفه.

أشعل مصباحه اليدوي. الضوء اخترق العتمة بصعوبة، كأنّ الهواء نفسه يقاوم. غرفة واسعة، أرضيتها من حجر بارد، وعلى جدرانها رسوم بالفحم: دوائر متداخلة، وأشكال لأيدٍ مفتوحة، وفي المنتصف رسم لباب.

باب داخل بيت. مرسوم على الجدار. لكنه بأزرق مطابق للباب الذي دخل منه.

خطا نحو الرسم، فسمع خلفه صوت الباب الحقيقي يُغلق بهدوء. لم يُصفق. أُغلق ببطء مدروس، كأن يداً صبورة أوصدته.

قلبه قفز. التفت. أضاء المصباح نحو المدخل. الباب مغلق تماماً. ركض إليه وجذب المقبض. لم يتزحزح. جرّبه مرة. مرتين. ثلاثاً. كأنه جزء من الجدار.

تنفّس. «فكّر. فكّر يا وائل.»

نظر حوله. ثلاثة أبواب داخلية تتفرّع من الغرفة. الأول على يمينه مفتوح ويقود إلى ممرّ طويل يبتلعه الظلام. الثاني أمامه موصد بقفل صدئ. الثالث على يساره... مُوارَب. بمقدار إصبعين.

نبضه تسارع.

اختار الممرّ المفتوح أولاً. مشى فيه والمصباح يرتجف في يده. الجدران هنا رطبة، وعلى الأرض آثار أقدام في الغبار. أقدام حافية، كبيرة، تتّجه في اتجاه واحد: إلى الداخل. لا أثر لعودة.

وصل إلى غرفة صغيرة. فيها كرسيّ خشبي وطاولة عليها فانوس محترق وكوب شاي. الشاي فيه لم يجفّ تماماً. بقايا سائل بنّي في القاع، وعلى حافّة الكوب أثر شفتين.

شخص كان هنا. ليس قبل عشرين سنة. قبل ساعات ربما.

على الطاولة، تحت الفانوس، وجد ورقة مطوية. فتحها بأصابع مرتعشة. خطّ جدّه سُهيل. يعرفه كما يعرف وجهه:

"لا تختر الباب الموارَب. إنه يُريك ما تخاف منه. اكسر القفل. خلف القفل يكمن ما تحتاج أن تراه. المجهول ليس عدوّك. خوفك هو الجدار."

نظر وائل إلى الورقة طويلاً. ثم سمعه. صوت تنفّس. ليس تنفّسه. تنفّس بطيء، عميق، قادم من خلف ظهره مباشرة. على رقبته شعر بدفء زفير شخص يقف خلفه.

لم يلتفت.

كلّ عضلة في جسده صرخت بأن يركض. لكنه تذكّر كلمات جدّه. تذكّر كلّ القصص عن أم السكوت: كيف أن من يركض لا يعود، ومن يلتفت يتحوّل إلى أثر أقدام في الغبار.

مشى إلى الأمام. خطوة. خطوتان. التنفّس خلفه يتبعه لكنه لا يقترب أكثر. عاد إلى الغرفة الرئيسية. الأبواب الثلاثة أمامه.

الباب الموارَب على يساره انفتح أكثر الآن. من داخله تسرّب ضوء شاحب أصفر، وسمع صوت جدّه سُهيل ينادي: «وائل... تعال يا بُنيّ... أنا هنا.»

الصوت دافئ. حقيقي. فيه حنان السنوات العشرين الغائبة.

نظر إلى الباب الموصد بالقفل. بارد. صامت. لا شيء يدعوه. لا شيء يعده.

وهذا بالتحديد ما جعله يختاره.

التقط حجراً من الأرض وضرب القفل. مرة. مرتين. في الثالثة انكسر. فُتح الباب على درج ينزل إلى قبو. الهواء الصاعد منه بارد ونظيف، فيه رائحة تراب جافّ ونباتات صحراوية.

نزل الدرج. الخطوات خلفه توقّفت عند عتبة القبو كأنّ حاجزاً غير مرئي منعها. نزل أكثر. المصباح أضاء فضاء واسعاً تحت الأرض. وفي منتصفه، وجد ما لم يتوقّعه.

بئر قديمة، جافّة، وعلى حافّتها حُفرت كلمات بالعربية القديمة. وإلى جوار البئر، صندوق خشبي صغير. فتحه. في داخله: خاتم فضّي يعرفه — خاتم جدّه الذي لم يخلعه يوماً — ورسالة أخيرة:

"وصلتَ لأنك لم تتبع الصوت الذي أردتَ سماعه، بل اتّبعت الصمت الذي احتجتَ أن تفهمه. الباب الموارَب كان سيُرِيك نسخة منّي لا تشبهني. أنا رحلتُ يا وائل. رحلتُ حين فهمتُ أن هذا المكان يتغذّى على خوف الداخلين. أطعمته شجاعتي فجاع. خذ الخاتم واصعد. الباب الأزرق سيُفتح لمن لا يخافه."

صعد وائل الدرج. الغرفة الرئيسية كانت أكثر إضاءة الآن. ضوء القمر يتسلّل من شقوق في السقف. الباب الموارَب على يساره أُغلق تماماً. والتنفّس اختفى.

مشى نحو الباب الأزرق. وضع يده على المقبض. فُتح بسهولة كأنه لم يكن مقفلاً قطّ.

خرج إلى الشارع الترابي. الهواء البارد ملأ رئتيه. القمر فوقه مكتمل. نظر خلفه إلى البيت.

الباب الأزرق موارَب. بمقدار إصبعين. كأنه يتنفّس.

لكنّ وائل هذه المرة لم يتوقّف. لبس خاتم جدّه في إصبعه، وسار في الطريق الترابي بخطى ثابتة، وظلّه خلفه بطوله الصحيح تماماً. وبينما يبتعد، حمل إليه النسيم صوتاً رفيعاً كحفيف أوراق يابسة ينادي اسماً آخر.

اسم شخص آخر سيمرّ غداً. أو بعد غد. أو بعد عشرين سنة.

الباب لا يُغلَق. الباب ينتظر.

الحكمة المستفادة

ليس المجهول ما يصنع الرعب، بل ذلك الصوت في دواخلنا الذي يأمرنا بالفرار قبل أن نفهم. من واجه عتمته بعينين مفتوحتين وجد أنّ الظلام كان ستاراً رقيقاً يحجب الحقيقة.

#قصص رعب#قصص قصيرة#قصص رعب عربية#قصة مرعبة#بيت مهجور#قصص جن#قصص مشوقة#رعب نفسي#قصص عربية قصيرة#قرية مهجورة#مواجهة الخوف#قصص غموض

قصص مشابهة

الظلّ الذي يلعب وحده - قصص قصيرة
رعب

الظلّ الذي يلعب وحده

في غرفة نوم صغيرة، رأى سامر ظلّاً يتحرّك على الحائط... لكنّ أحداً لم يكن يقف هناك! هل تجرؤ على معرفة ما حدث بعد ذلك؟

الحكمة: الشجاعة ليست أن لا تخاف، بل أن تمدّ يدك رغم الخوف، وأحياناً يكون الشيء الغامض صديقاً ينتظر من يفهمه.

2 دقائق
1
0
ظلال الحقيقة المدفونة - قصص قصيرة
رعب

ظلال الحقيقة المدفونة

قصة رعب مرعبة عن محامٍ يواجه قوى خفية للكشف عن حقيقة مدفونة في قضية غامضة، ويدفع ثمناً باهظاً في سبيل العدالة.

الحكمة: العدالة تحتاج إلى من يقف في وجه الظلم والفساد، حتى لو كان الثمن باهظاً، فالحق لا ينتصر من تلقاء نفسه بل يحتاج لمن يضحي من أجله.

7 دقائق
11
0
القبو المنسي: رحلة في أعماق الظلام - قصص قصيرة
رعب

القبو المنسي: رحلة في أعماق الظلام

قصة مرعبة عن عالم آثار يكتشف قبواً مخفياً في منزله القديم، ليجد نفسه في مواجهة أسرار مظلمة تهدد بابتلاعه في دوامة اليأس، حتى يجد نوراً صغيراً يقوده نحو الخلاص.

الحكمة: في أحلك لحظات الحياة، تكمن قوة الأمل في قدرته على إنارة طريق الخلاص، مهما بدت الظروف مستحيلة

5 دقائق
4
0