العودة إلى قصص حكمة
الخبّاز الذي أطعم الريح
حكمة

الخبّاز الذي أطعم الريح

7 دقائق للقراءة
٧‏/٣‏/٢٠٢٦
0 مشاهدة
استمع للقصة
اضغط للاستماع

رائحة الخبز المحترق كانت أول إنذار بأن سعيد الحلواني قد غرق في أحلام يقظته مرة أخرى.

قفز من كرسيّه القصير الذي يتأرجح على ثلاث قوائم — إذ فقد الرابعة في حادثة لا يحبّ أن يرويها — وركض نحو الفرن الحجري الذي ورثه عن أبيه، وعن جدّه، وعن جدّ جدّه الذي يُقال إنه خبز أول رغيف في الحارة قبل أن تصبح حارة أصلاً. سحب الصينية بيديه العاريتين المدبوغتين بالنار، ونفخ على أطراف الأرغفة التي اسودّت حوافها كشمسٍ غاربة.

«يا سعيد، أحرقتَ خبز الصباح مرة أخرى؟» صاحت أم كلثوم الجارة من نافذتها المطلّة على الفرن، وهي تنشر غسيلها بحركات ثابتة كأنها تقود أوركسترا.

مسح سعيد جبينه بطرف مئزره الأبيض الذي لم يعد أبيض منذ سنوات، وابتسم ابتسامته العريضة التي تكشف عن فراغٍ بين أسنانه الأمامية يمرّ منه الهواء فيصدر صفيراً خفيفاً حين يضحك.

«ما احترق يا أم كلثوم، تحمّص زيادة بس. الخبز المحمّص بركة!»

«بركة على مَن؟ على الغربان؟»

ضحك سعيد ضحكته المصفّرة، وبدأ يرتّب الأرغفة في سلّته الكبيرة المجدولة من سعف النخل. كان لسعيد عادة غريبة عرفها عنه أهل حارة النحّاسين جميعاً: كل صباح، يخبز عشرين رغيفاً زيادة عن طلبات الزبائن، يضعها في سلّة عند باب الفرن، ويكتب فوقها بخطّه المائل لافتة صغيرة: «لمن يحتاج ولا يسأل».

سخر منه بعضهم. قال عطية الجزّار وهو يتّكئ على واجهة محلّه المليئة بخطّافات اللحم الفارغة: «سعيد بيرمي فلوسه في الهوا. عشرين رغيف كل يوم! ده حساب آخر السنة يطلع ثروة.»

لكن سعيد لم يكن يحسب. كان يخبز ويبتسم، ويبتسم ويخبز، كأن العجين بين يديه يتحوّل إلى سعادة قبل أن يتحوّل إلى خبز.

ذات صباحٍ من أيام آذار، حيث الريح تلعب في الحارة كطفلٍ مشاغب لا أهل له، وضع سعيد السلّة في مكانها المعتاد وعاد إلى الفرن. لكن الريح — تلك اللعوب — قلبت السلّة وطيّرت الأرغفة واحداً واحداً. تدحرج بعضها تحت عربات الخضار، واستقرّ بعضها في حضن قطط الحارة، أما رغيفٌ واحد — مستدير ومنتفخ كوجه طفلٍ شبعان — فقد طار مع الريح عالياً، واختفى فوق أسطح البيوت.

حين عاد سعيد ووجد السلّة فارغة مقلوبة، لم يغضب. وقف يتأمّل الريح التي كانت لا تزال تعبث بالغبار، وقال بصوتٍ هادئ كمن يحدّث صديقاً قديماً:

«خذي يا ريح. لعلّكِ تعرفين جائعاً لا أعرفه.»

ضحك عطية الجزّار حتى احمرّ وجهه: «شفت؟ دلوقتي بيكلّم الهوا كمان! مش بس بيطعمه، لا، بيكلّمه!»

مرّت أسابيع. وفي مساءٍ ثقيل من تلك المساءات التي تجلس فيها الحارة بأكملها على العتبات لأن البيوت تكون قد خزّنت حرارة النهار كلّه، طرق باب الفرن رجلٌ لم يره أحدٌ من قبل. كان طويلاً نحيلاً، وجهه كأنه خريطة طرقٍ سارها كلّها، يحمل على ظهره حقيبة جلدية عتيقة، وفي عينيه ذلك البريق الغريب الذي يميّز المسافرين الذين رأوا أكثر مما ينبغي.

«أبحث عن سعيد الحلواني،» قال الرجل بصوتٍ أجشّ كأنه لم يتكلّم منذ أيام.

«أنا سعيد. والفرن مُقفل، لكن تفضّل اقعد، عندي أرغفة باقية من العصر.»

جلس الرجل وأخرج من حقيبته رغيفاً. لكنه لم يكن رغيفاً عادياً — كان ذلك الرغيف المستدير المنتفخ الذي طيّرته الريح قبل أسابيع. عرفه سعيد فوراً من العلامة التي يضعها على كل رغيف: خطّان متقاطعان كحرف X، عادة علّمها إياه جدّه ليُخرج الهواء من العجين.

«رغيفي!» قال سعيد مندهشاً.

ابتسم الرجل، وحين ابتسم بدا وجهه كأنه شخصٌ آخر تماماً: «وجدته على سطح بيتٍ مهجور في القرية المجاورة. كنتُ أنام هناك لأنني لا أملك مكاناً. كنتُ جائعاً جداً يا سعيد، جائعاً لدرجة أنني نسيت اسمي. هذا الرغيف أطعمني ليلتها، والعلامة التي عليه قادتني إليك. سألت في كل فرنٍ حتى وصلت.»

صمت سعيد. ليس صمت الحيرة، بل صمت الرجل الذي يسمع الكون يهمس له: «أرأيت؟»

«اسمي هشام،» أكمل الرجل وهو يقلّب الرغيف القديم بين يديه كأنه يحمل أثراً ثميناً. «كنتُ نجّاراً قبل أن يحترق ورشتي. فقدتُ كل شيء. مشيتُ من بلد إلى بلد أبحث عن عمل. وفي أسوأ لحظة، وجدتُ هذا الرغيف ينتظرني على السطح كأن أحداً وضعه لي هناك خصّيصاً.»

نهض سعيد ودخل الفرن وعاد بصينية شايٍ وصحنٍ من الزيتون وقطعة جبنة بيضاء. أكل الرجلان في صمتٍ مريح، ذلك الصمت الذي لا يحتاج إلى كلام.

ثم قال سعيد فجأة، وهو يشير إلى زاوية الفرن حيث تتكدّس أرفف خشبية متهالكة: «أنت نجّار وأنا محتاج نجّار. الأرفف هذه عمرها أكبر من عمري. والباب يسكّر ويفتح بمزاجه. والكرسي — لا تسألني عن الكرسي.»

نظر هشام إلى الأرفف، ثم إلى الباب، ثم إلى الكرسي ذي القوائم الثلاث، وابتسم ابتسامة رجلٍ وجد أخيراً مرسىً بعد عاصفة طويلة.

في الأسابيع التالية، تحوّل الفرن. صنع هشام أرفُفاً جديدة من خشب الجوز، ملساء كالحرير، تتسع لضعف عدد الأرغفة. أصلح الباب فصار يفتح ويغلق بنعومة حالمة. وصنع لسعيد كرسياً جديداً بأربع قوائم متينة، بل أضاف إليه مسنداً للظهر ونقش عليه سنبلة قمح.

لكن أجمل ما صنع هشام كان رفّاً خشبياً أنيقاً عند مدخل الفرن، له سقفٌ صغير يحميه من الشمس والمطر والريح، نقش عليه بحروفٍ بارزة: «لمن يحتاج ولا يسأل».

وقف عطية الجزّار يتأمّل الرفّ الجديد، يحكّ رأسه بأصابعه الغليظة. ثم فعل شيئاً لم يفعله من قبل: دخل محلّه وعاد بقطعة لحمٍ لفّها في ورق، ووضعها بجانب الأرغفة على الرفّ.

«لمن يحتاج ولا يسأل،» تمتم عطية وهو يبتعد سريعاً كأنه يخجل من نفسه.

ابتسم سعيد ابتسامته المصفّرة. ونظر إلى الريح التي كانت تمرّ من الحارة بهدوءٍ هذه المرة، كأنها راضية.

في تلك الليلة، جلس سعيد على كرسيّه الجديد ذي القوائم الأربع، وأسند ظهره للمرة الأولى منذ سنوات، ونظر إلى هشام الذي كان يصقل قطعة خشبٍ بيديه الماهرتين في زاوية الفرن التي صارت ورشته الصغيرة.

«هشام.»

«نعم؟»

«الرغيف اللي طيّرته الريح...»

«ماذا عنه؟»

«لم يكن ضائعاً أبداً. كان في طريقه إليك. بس أنا ما كنتُ أعرف.»

رفع هشام رأسه عن الخشبة ونظر إلى سعيد بعينين لامعتين: «وأنا ما كنتُ أعرف أنني في طريقي إلى هنا.»

ضحكا معاً. وامتلأ الفرن برائحة الخشب الطازج ورائحة الخبز القديمة، وبشيءٍ آخر لا يمكن تسميته بدقة — ربما كان رائحة الأشياء التي تجد طريقها إلى أصحابها حين نتركها تذهب بلا خوف.

الحكمة المستفادة

ما نمنحه بسخاءٍ لا يضيع في الريح أبداً، بل يدور في الدنيا حتى يعود إلينا بصورةٍ لم نكن نتخيّلها — فكل رغيفٍ تطلقه بلا حساب، يحسبه الكون لك.

#قصص قصيرة#قصة قصيرة عربية#يختارها الذكاء الاصطناعي#قصص عن الكرم#قصص حكمة وعبرة#قصص عربية مؤثرة#قصة الخبّاز#قصص عن العطاء#قصص واقعية#حكم وعبر من القصص#قصص تعليمية للكبار

قصص مشابهة

الميزان الذي لا يكذب - قصص قصيرة
حكمة

الميزان الذي لا يكذب

في سوق تتصارع فيه الأصوات والروائح، يكتشف فتى اسمه وائل أن الميزان القديم في دكان جده لا يزن البضائع فحسب، بل يزن شيئاً آخر لم يكن يتوقعه أحد. قصة عن الأمانة حين لا يراك أحد، وعن الثمن الحقيقي للأشياء.

الحكمة: الأمانة ليست اختياراً نتخذه حين يرانا الناس، بل هي الاختبار الحقيقي حين لا يرانا أحد. وما نرفض أن نأخذه بالباطل يظل أثمن مما نملكه بالحق، لأنه يصنع فينا ميزاناً داخلياً لا تميل كفّته أبداً.

7 دقائق
2
1
مفتاح الكنز المفقود - قصة مغامرة شيقة - قصص قصيرة
حكمة

مفتاح الكنز المفقود - قصة مغامرة شيقة

ينطلق الفتى سامر في رحلة مثيرة للبحث عن كنز جده المفقود، ليكتشف أن المعرفة والعلم هما أثمن الكنوز على الإطلاق في مغامرة مليئة بالألغاز والمفاجآت.

الحكمة: العلم نور

5 دقائق
4
0
الباب الذي لا يُغلَق - قصص قصيرة
رعب

الباب الذي لا يُغلَق

في قرية منسية على حافة الربع الخالي، ثمة بيت لا يجرؤ أحد على دخوله. لكن حين تتبدّل الرياح ويُسمع النداء من خلف بابه المفتوح، لن يملك "وائل" إلا أن يستجيب. ما الذي ينتظره خلف العتبة... وهل سيعود كما ذهب؟

الحكمة: ليس المجهول ما يصنع الرعب، بل ذلك الصوت في دواخلنا الذي يأمرنا بالفرار قبل أن نفهم. من واجه عتمته بعينين مفتوحتين وجد أنّ الظلام كان ستاراً رقيقاً يحجب الحقيقة.

7 دقائق
1
0